Yahoo!

قصة توبة الفضيل ين عياض

كتبها bab altoba ، في 24 ديسمبر 2011 الساعة: 02:25 ص

 

بسم الله الرحمن الرحيم
من سيرة الفضيل بن عياض - رحمه الله -
 
الحمد لله وبعد ،
إن سير العلماء مما يبعث الهمم على الاقتداء بهم ، ومن العلماء الذين سارت الركبان بسيرته الفضيل بن عياض - رحمه الله - .
 
ومن الوقفات العجيبة في سيرة هذا الإمام قصة توبته .
 
قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (8/423) :
قال أبو عمار الحسين بن حُريث ، عن الفضل بن موسى قال : كان الفضيل بن عياض شاطرا يقطع الطريق بين أبِيوَرْد وسَرخس ، وكان سبب توبته أنه عشق جارية ، فبينما هو يرتقي الجدران إليها ، إذ سمع تاليا يتلو " أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ …" [ الحديد : 16] فلما سمعها ، قال : بلى يارب ، قد آن ، فرجع ، فآواه الليل إلى خَرِبة ، فإذا فيها سابلة ، فقال بعضهم : نرحل ، وقال بعضهم : حتى نصبح فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا .
 
قال ففكرت ، وقلت : أنا أسعى بالليل في المعاصي ، وقوم من المسلمين هاهنا ، يخافوني ، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع ، اللهم إني قد تبت إليك ، وجعلت توبتي مُجاورة البيت الحرام .
 
قال الإمام الذهبي تعليقا على القصة :
وبكل حال : فالشرك أعظم من قطع الطريق ، وقد تاب من الشرك خلق صاروا أفضل الأمة . فنواصي العباد بيد الله ، وهو يضل من يشاء ، ويهدي إليه من أناب .
 
- موقف للفضيل مع هارون الرشيد :
عباس الدوري : حدثنا محمد بن عبدالله الأنباري ، قال : سمعت فضيلا يقول : لما قدم هارون الرشيد الى مكة قعد في الحِجْر هو وولده ، وقوم من الهاشمين ، وأحضروا المشايخ ، فبعثوا إليّ فأردت أن لا أذهب ، فاستشرت جاري ، فقال : اذهب لعله يريد أن تعظه ، فدخلت المسجد ، فلما صرت إلى الحجر ، قلت لأدناهم : أيكم أمير المؤمنين ؟ فأشار اليه ، فقلت : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، فرد علي ، وقال : اقعد ، ثم قال : إنما دعوناك لتحدثنا بشيء ، وتعظنا ، فأقبلت عليه ، فقلت : يا حسن الوجه ، حساب الخلق كلهم عليك . فجعل يبكي ويشهق ، فرددت عليه ، وهو يبكي ، حتى جاء الخادم فحملوني وأخرجوني ، وقال : اذهب بسلام .
 
قال الذهبي (8/440) :
وعنه : يا مسكين ، أنت مسيءٌ وترى أنك محسن ، وأنت جاهل وترى أنك عالم ، وتبخل وترى أنك كريم ، وأحمق وترى أنك عاقل ، أجلك قصير ، وأملك طويل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فضل ( لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)

كتبها bab altoba ، في 14 ديسمبر 2011 الساعة: 05:20 ص

{أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}

 

أبو دجانة محمد بن سالم البلوشي

موقع صيد الفوائد


بسم الله الرحمن الرحيم


هذه الجملة العظيمة التي فيها اعترافين كبيرين الاول وهو الاعظم :الاعتراف بالوهية الله تعالى ووحدانيته و الثاني: الاعتراف بالذنب و التقصير و الخطأ ، فالاول يدل على تمام العبودية لله رب العالمين ،و الثاني يدل على قوة الايمان و الرغبة في تطبيق العبودية تطبيقا صحيحا بالتنازل عن الغرور و التوقف عن التمادي في العصيان و الرغبة بل العزم في الطاعة و الاخلاص و الاستقامة لله تعالى .. ان البدء بتوحيد الله تعالى في الدعاء و تنزيهه فيه اعتراف بذلك و فيه ردع للنفس العاصية او الطاغية و تذكير لها انها مهما تمادت و تعجرفت فان هناك من خلقها ومن سيحاسبها ومن هو قادر عليها فيجعلها ذلك تتراجع و تخاف و تتأدب و تمتنع عن الحرام ، ثم الاعتراف بالخطأ يكون نتيجة حتمية للشعور بعظمة الله تعالى و قدرته و اليقين بذلك ،فالمرء ان علم ان هناك من هو اقوى منه و طلب منه التوقف عن امر ما والا عاقبه فانه يتوقف عنه مباشرة فكيف ان كان الامر و الناهي هو الله تعالى و بالتالي فانه يمتنع كليا ان وقع الايمان و اليقين في قلبه ويتراجع عن ما هو فيه او ما كان عليه صاغرا تائبا ، وهو ايضا يستشعر عظمة الله تعالى وانه الاله الحق وانه الامر الناهي وانه المجازي و المعاقب وان كل شيء بامره وتقديره فيستحي حينها ان ينقص في حق ربه تعالى او ان يعصيه و لا يوفيه حقه من عبادة و طاعة مع انه مهما فعل فلن يستطيع ان يرد جزءا بسيطا من حق الله تعالى عليه ، و يبقى الامل في رحمة الله و رضوانه.

{أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}

{وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء : 87]

جاءت في القران الكريم على لسان عبد صالح من عبيده ، و نبي كريم من أنبيائه وهو سيدنا يونس بن متى عليه السلام ، وهذا النبي لما راى نفسه وقع في بلاء من ربه وامتحان ، وابتلي بأن جعله الله تعالى في بطن الحوت نادى في الظلمات ، ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة بطن الحوت ..نادى الذي يسمع ويرى كل شيء كما قيل -والله اعظم من ذلك -: يرى ويسمع دبيب النملة السوداء فوق الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ،سبحانه هذا العظيم القدير القوي العزيز المسيطر على كل شيء ناداه عبده ونبيه وهو موقن باجابته وناداه اولا بوحدانيته و الوهيته ثم اعترف له بحاله فانجاه الله تعالى من بطن تلك الدابة البحرية و اعاده و عافاه ، فيا سبحان الذي قال عن نفسه {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة : 186] ،و قال {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل : 62] .. فتدبروا يرحمكم الله تعالى قوة الدعاء ، و نتيجة الاعتراف بالتقصير -حاشا الانبياء- ثم نتيجة التوحيد و اليقين بعون الله و توفيقه عند اخلاص التوبة و الانابة اليه.

{أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}

فلا اله الا انت فيها نفي للالوهية تماما عن كل احد و كل شيء ثم اثباتها قطعا لله تعال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الوالدان بين الحقوق والعقوق

كتبها bab altoba ، في 11 ديسمبر 2011 الساعة: 12:18 م

 

 المصدر : الكتيبات الاسلامية
كتبه : محمد بليهين القحطاني
 مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فلقد تحيرت وأنا أكتب مقدمة لهذا البحث كيف أجمع كلمات لبيان فضل الوالدين والبر بهما، فلم أجد أبلغ ولا أشمل ولا أفضل من قول المولى سبحانه وتعالى: }وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا{ [الإسراء: 23-24].
رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا, رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا.


تمهيد:
المبحث الأول: البر.
1- تعريف البر.
2- بر الوالدين في الكتاب والسنة.
3- بر الأنبياء – عليهم السلام – بآبائهم.
4- بر الصحابة – رضي الله عنهم – والصالحين.
5- البر بالوالدين الكافرين أو أحدهما.
6- قصص واقعية من البر.
7- الأسباب الجالبة للبر.
8- من ثمرات البر.
المبحث الثاني: العقوق.
1- تعريف العقوق.
2- الأدلة التي تحرم العقوق من الكتاب والسنة.
3- نماذج سيئة من العقوق بين الماضي والحاضر.
4- الأسباب الجالبة للعقوق.
5- من ثمرات العقوق.
المبحث الثالث:
1- في دار المسنين ودور الرعاية.
2- الوصول إلى مجتمع يسوده التكافل الاجتماعي الإسلامي.
3- الخاتمة.


المبحث الأول: البر
تعريف البر:
البر ضد العقوق، وفي الحديث: «تمسحوا بالأرض فإنها برَّةٌ بكم» أي: مشفقة عليكم كالوالدة البرة بأولادها. وفي حديث زمزم: «أتاه أتٍ فقال: احفر برة» سماها برة لكثرة منافعها وسعة مائها.
وفي الحديث في بر الوالدين: وهو في حقهما وحق الأقربين من الأهل ضد العقوق والإساءة إليهم والتضييع لحقهم ([1]).
والبر هو الإحسان، ومنه قول الرسول r: «البر حُسن الخُلُق» وهو في حق الوالدين والأقربين ضد العقوق.
قال الحسن البصري – رحمه الله -: البر أن تطيعهما في كل ما أمراك به ما لم تكن معصية لله ([2]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال أبو بكر في زاد المسافر: من أغضب والديه وأبكاهما يرجع فيضحكهما. وهذا يقتضي أن يبر بهما في جميع المباحات، فما أمراه ائتمر وما نهياه انتهى، وهذا فيما كان فيه منفعة لهما ولا ضرر عليه فيه ظاهر مثل: ترك السفر والمبيت عندهما ناحية ([3]).
والبِرُّ بكسر الباء التوسع في فعل الخير، وهو اسم جامع للخيرات من اكتساب الحسنات، واجتناب السيئات، ويطلق على العمل الخالص الدائم المستمر إلى الموت ([4]).
بر الوالدين في الكتاب والسنة:
ذكر الله – تعالى – حق الوالدين بعد حقه سبحانه وتعالى، وهذا يعطي دلالة واضحة جلية على عظم حقهما.
قال تعالى: }وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا{ [النساء: 36]. قال ابن سعدي في تفسيره: أي: أحسنوا بالقول الكريم، والخطاب الجميل بطاعة أمرهما واجتناب نهيهما والإنفاق عليهما وإكرام من له تعلق بهما ([5]).
وقال تعالى: }وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ{ [العنكبوت: 8]. يقول الله تعالى آمرًا عباده بالإحسان للوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق ([6]).
وقال تعالى: }وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا{ [الإسراء: 23-24].
قال ابن سعدي في تفسيره: أي: أحسنوا إليهما بجميع وجوه الإحسان «القول والفعل» فإذا وصلا إلى هذا السن الذي تضعف فيه قواهما ويحتاجان من اللطف والإحسان ما هو معروف }فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ{ وهذا أدنى مراتب الأذى، نبه به على ما سواه، والمعنى: لا تؤذهما أدنى أذية، ولا تزجرهما، وتلطف معهما بكلام لين حسن يلذ على قلوبهما وتطمئن به نفوسهما، وذلك يختلف باختلاف الأحوال والعوائد والأزمان. وتواضع لهما ذلاً لهما ورحمة واحتسابًا للأجر لا لأجل الخوف منهما. ثم ادعُ لهما بالرحمة أحياءً وأمواتًا جزاءً على تربيتهما إياك صغيرًا. ويفهم من هذا أنه كلما ازدادت التربية ازداد الحق. وكذلك من تولى تربية الإنسان في دينه ودنياه تربية صالحة غير الأبوين له على من رباه حق التربية. اهـ ([7]).
وقال تعالى: }وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ{ [لقمان: 14].
قال مجاهد: مشقة وهن الولد، وقال قتادة: جهدًا على جهد، وقال عطاء الخراساني: ضعفًا على ضعف. وقوله تعالى: }وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ{، أي: تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين كما قال تعالى: }وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ{ [البقرة: 233].
ومن هنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل الحمل ستة أشهر. وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلاً ونهارًا ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه. اهـ ([8]).
ومن السنة:
الأحاديث التي تحث على البر كثيرة أورد بعضًا منها تذكيرًا لنفسي ولإخواني بحق الوالدين، من ذلك:
ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله r: «لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه»([9]).
وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي r: أيُّ العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: «الصلاة على وقتها». قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»([10]).
وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق – رضي الله عنهما – قالت: قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله r، فاستفتيت رسول الله r قلت: قدمت علي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال: «نعم، صلي أمك»([11]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله r فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أبوك»([12]).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – قال: أقبل رجل إلى النبي r فقال: أُبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى، قال: «فهل لك من والديك أحد حي؟» قال: نعم، قال: «فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما»، متفق عليه. وفي رواية لهما: جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال: «أحيٌّ والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد»([13]).
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رجلاً أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها؟ قال: سمعت رسول الله r يقول: «الوالدان أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه»([14]).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة»([15]).
بر الأنبياء – عليهم السلام – بآبائهم:
الأنبياء – عليهم السلام – هم صفوة البشر، وهم قدوة في جميع أعمالهم وسلوكهم وأخلاقهم، فلنتعرف على جانب من حياتهم المشرقة ولنرى كيف تعاملهم مع آبائهم وأمهاتهم.
فهذا نوح – عليه السلام – يستغفر لهما، فينادي ربه: }رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا{ [نوح: 28].
وهذا إبراهيم الخليل – عليه السلام – يخاطب أباه المشرك بلطف وإشفاق بالغ رغبة في هدايته ونجاته من النار، قال تعالى مخبرًا عنه: }إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا{ [مريم: 42-45].
لقد خاطب والده بتلك الكلمات المؤثرة، بل تجد أن كل نصيحة مقرونة بـ«يا أبت، يا أبت» وهذا قمة الإشفاق والحب والحنان لعل الله أن يفتح على قلبه.
وهذا إسماعيل بن إبراهيم – عليهما السلام -، يضرب أروع الأمثلة في البر امتثالاً لأمر والده والذي هو امتثال لأمر الله؛ لأن رؤيا الأنبياء جزء من الوحي عندما أخبره وقال: }يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ{ فكان رد الابن }يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ{ [الصافات: 102]. فلما تلَّه ليذبحه ووضع السكين على حلق ابنه إسماعيل فلم تحز فشحذها مرتين أو ثلاثًا بالحجر فلم تقطع، فقال الابن عند ذلك: يا أبت، كُبَّني على وجهي فإنك إن نظرت إلى وجهي؛ رحمتني وأدركتك رقة وأنا لا أنظر إلى الشفرة فأجزع، ففعل ذلك إبراهيم – عليه السلام -([16])، إلى أن نودي }وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{ [الصافات: 104-105].
فأي بر أعظم من هذا البر؟! إنها أخلاق الأنبياء.
وهذا عيسى – عليه السلام – يأتيه الثناء من ربه وهو ما زال في المهد بأنه بار ويقرن هذا بعبوديته لربه عز وجل: }وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا{ [مريم: 32].
بر الصحابة رضي الله عنهم والصالحين:
من هذه الصور الناصعة من البر ما روته عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – عن النبي r أنه قال: «دخلت الجنة فسمعت قراءة، فقلت: من هذا؟ فقيل: حارثة بن النعمان». فقال الرسول r: «كذلكم البرّ، كذلكم البر». وزاد عبد الرزاق في روايته: «وكان أبر الناس بأمه»([17]).
فانظر كيف نال هذا الصحابي تلك المنزلة من الجنة بفضل الله تعالى ثم ببره لوالدته.
بر أبي هريرة رضي الله عنه:
أبو هريرة رضي الله عنه كان يستخلفه مروان وكان بذي الحليفة، فكانت أمه في بيت وهو في آخر، فإذا أراد أن يخرج وقف على بابها وقال: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) فتقول: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)، فيقول: (رحمك الله كما ربيتني صغيرًا)، فتقول: (رحمك الله كما بررتني كبيرًة) ثم إذا أراد أن يدخل صنع مثل ذلك ([18]).
بر الفضل بن يحيى بأبيه:
قال المأمون: لم أر أحدًا أبر من الفضل بن يحيى بأبيه، بلغ من بره أن يحيى كان لا يتوضأ إلا بماء مسخن، وهما في السجن فمنعهما السجان من إدخال الحطب في ليلة باردة فقام الفضل حين أخذ أبوه يحيى مضجعه إلى قمقم ([19]) كان يسخن فيه الماء فملأه ثم أدناه من نار المصباح فلم يزل قائمًا وهو في يده حتى أصبح. فعل هذا برًا بأبيه ليتوضأ بالماء الساخن ([20]).
أبي يزيد البسطامي – رحمه الله:
رُوي عن أبي يزيد البسطامي – رحمه الله -، قال: كنت ابن عشرين سنة، فدعتني أمي لتمريضها ذات ليلة، فجعلت إحدى يدي تحت رأسها والأخرى أمرها على جسدها، وأقرأ }قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ{ فخدرت يدي قلت: اليد لي وحق الوالدة لله، فصبرت على ذلك كله حتى طلع الفجر ولم أرفع يدي. فلما مات رآه بعض أصحابه في المنام وهو يطير في الجنان ويسبح الرحمن فقيل له: بمَ نلت هذه الرحمة؟ قال: بر الوالدة، والصبر على الشدائد ([21]).
بر زين العابدين – رحمه الله – بأمه:
علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (زين العابدين) كان من سادات التابعين وكان كثير البر بأمه حتى قيل له: إنك من أبر الناس بأمك ولسنا نراك تأكل معها في صحفة، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها ([22]).
بر أويس القرني بأمه:
عن أسيد بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أتى عليهم أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم. قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم. قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم. قال: سمعت رسول الله r يقول: «يأتى عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بَرٌّ، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» فاستغفر لي، فاستغفر له. فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة. قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي. قال: فلما كان من العام المقبل حج رجلٌ من أشرافهم فوافق عمر فسأله عن أويس، قال: تركته رث البيت قليل المتاع، قال عمر: سمعت رسول الله r يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» فأتى أويسًا فقال: استغفر لي، قال: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح فاستغفر لي. قال: لقيت عمر؟ قال: نعم. فاستغفر له, ففطن له الناس فانطلق على وجهه: قال أسيد: وكسوته بردة فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لأويس هذه البردة ([23]).
شاب يحمل أبيه في زنبيل:
قال الأصمعي: حدثني رجل من الأعراب قال: خرجت أطلب أبر الناس حتى انتهيت إلى شاب وفي عنقه زنبيل فيه شيخ كأنه فرخ، فكان يضعه بين يديه في كل ساعة فيزقه كما يزق الفرخ «أي يطعمه» فقلت: ما هذا؟ قال: أبي وقد خرف، وأنا أكفله، قلت: هذا أبرُّ العرب ([24]).
البر بالوالدين الكافرين أو أحدهما:
عن أسماء بنت أبي بكر الصديق – رضي الله عنها – قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله r، فاستفتيت رسول الله r قلت: قدمت على أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم صِلي أمك»([25]).
وقولها «راغبة» أي: طامعة فيما عندي تسألني شيئًا، قيل كانت أمها من النسب وقيل من الرضاعة والصحيح الأول.
قال الإمام الجصاص: قال أصحابنا في المسلم يموت أبواه، وهما كافران أن يغسلهما ويتبعهما ويدفنهما؛ لأن ذلك من الصحبة بالمعروف التي أمر الله بها ([26]).
وقد نهى القرآن الكريم عن الاستغفار للمشركين الأموات، فإن كان والدا المسلم ذميين استعمل معهما ما أمره الله به هاهنا: الترحم لهما بعد موتهما على الكفر ([27]).


فتاوى في بر الوالدين
وهذه أسئلة متفرقة حول بعض الفتاوى لعلمائنا في حكم التعامل مع الوالدين اللذين لا يصليان أو لا يصوم أحدهما، أو من عندهم بعض الشبه, وكيف يتعامل الأبناء معهما؟
سائل يقول: توفيت والدتي منذ فترة ولم تصُمْ رمضان قط، ولم تكن تصلي إلا في آخر سنة من حياتها ونوت أن تحج إلى بيت الله الحرام ولكنها توفيت قبل أن تحج، فهل يجوز لي أن أصوم عنها الأشهر التي لم تصمها علمًا بأنها قبل وفاتها بدأت تصلي، وكذلك هل لي أن أحج عنها؟ وهل هناك طرق أو عبادات أقدر أن أقوم بها وأهب ثوابها إلى والدتي؟([28]).
أجاب الشيخ ابن باز (رحمه الله) بقوله:
ليس عليك قضاء الصيام الذي تركته والدتك مع تركها الصلاة؛ لأن ترك الصلاة كفر يحبط العمل، لقول النبي r: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر». أما إن كانت تركت شيئًا من الصوم بعد أن هداها الله لأداء الصلاة فيشرع لك قضاؤه، لقول النبي r: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه» متفق عليه. فإن لم تصم ولم يقم بذلك أحد من أقاربها أو غيرهم فأطعم عنها عن كل يوم مسكينًا، نصف صاع من قوت البلد، من تمر أو أرز أو غيرها. ويشرع لك الإكثار من الدعاء لها والصدقة عنها رجاء أن ينفعها الله بذلك إذا لم تعلم أنه حدث منها شيء قبل وفاتها يوجب ردتها عن الإسلام.
وسُئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين (رحمه الله):
 إذا كان والدي مكسبه حرام فهل يجوز لنا أن نأكل مما يحضره لنا؟ وإذا كان لا يجوز فما العمل؟
فأجاب: إذا كان مكسب الوالد حرامًا، فإن الواجب نصحه, فإما أن تقوموا بنصحه بأنفسكم إن استطعتم إلى ذلك سبيلاً أو تستعينوا بأهل العلم ممن يمكنهم إقناعه، أو تستعينوا بأصحابه لعلهم يقنعونه حتى يتجنب هذا الكسب الحرام، فإذا لم يتيسر ذلك فلكم أن تأكلوا منه بقدر الحاجة, ولا إثم عليكم في هذه الحالة، لكن لا ينبغي أن تأخذوا أكثر من حاجتكم للشبهة في جواز الأكل ممن كسبه حرام ([29]).
سؤال: أريد أن أتعلم العلوم الشرعية، ووالدي يصر على تعلم العلوم العصرية، فماذا يجب علي جزاكم الله خيرًا؟
عليك أن تتعلم العلوم الشرعية وأن تجتهد وتقنع والدك بأن هذا هو الواجب عليك، وأن الواجب أن تتعلم دينك وأن تتفقه فيه عند علماء الشرع، لأن الرسول r يقول: «إنما الطاعة في المعروف»، «ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» فالأب والأم لا يطاعان في معاصي الله، وإنما يطاع الوالد والوالدة في الخير لا في الشر ([30]).


قصص واقعية من البر
شاب أصيب والده بمرض خطير ألزمه الفراش بالمستشفى فلازمه وأغلق متجره ولم ينم مع زوجته في فراش طوال ستة أشهر، ولم يسمح للممرض أن يقوم بتنظيف والده وبإزالة الأذى عنه بل هو يقوم بذلك بنفسه ويفرح به تقربًا بذلك لرضا الله تعالى، جلس على هذا الحال ستة أشهر بأكملها، ذهبت المتاعب وبقى الأجر حتى توفي والده وهو ملازم له, والموفق من وفقه الله ([31]).
من أجل والدته:
حدثني أحد كبار السن الموثوق بدينه وأمانته قال: أعرف رجلاً من أهل الرياض – ذكر لي اسمه – كان بارًا لوالدته الكبيرة بالسن التي تعيش معه، وكانت زوجته تتظاهر ببر أمه لكنها في الحقيقة غير ذلك، والأم صابرة من أجل ألا تعكر صفو أسرة ابنها. وفي أحد الأيام رجع الابن مبكرًا على غير عادته وعند دخوله البيت سمع الزوجة وهي رافعة صوتها وتقول للأم: (بدأت تخرفين …) وكلمات تهكم. دخل الابن دون أن يشعر أحد به ثم سلَّم بصوت مرتفع ودخل إلى غرفة أمه وقبل يدها وبعد أن تناول الغداء نادى زوجته وأمرها بأن تأخذ ما يلزمها من البيت فهي من هذه اللحظة لم تعد زوجة له, أرادت الأم أن تتدخل لكن كان الأمر قد انتهى([32]).
الشيخ القطان يروي هداية والده:
يقول الشيخ أحمد القطان وهو يذكر توبة والده الذي أخذ موقفًا من المتدينين نتيجة لموقف تعرض له من أحد المقرئين الذين يعالجون بالرقية الشرعية حيث طلب مبلغًا من المال: وكان والدي فقيرًا ومريضًا، فتلقاه طبيب نصراني يدعو إلى دينه في أحد المستشفيات، وعالجه بلا مقابل وأعطاه نقودًا لتساعده في أمور الحياة، فانطبعت صورة قاتمة عن المتدينين، وولاء وإعجاب لأولئك الكفار الذين يتخفون تحت الأعمال الخيرية سواء بالمستشفيات أو الهيئات الإغاثية.
يقول الشيخ أحمد القطان: ثم بعد ذلك استمر والدي يسخر من المتدينين ويستهزئ بهم، فقلت في نفسي: إنه من المستحيل أن أنزع صورة (الملا) من رأسه وصورة ذلك الدكتور (النصراني) من رأسه أيضًا إلا أن أحسن المعاملة معه, فظللت انتظر الفرصة المناسبة لذلك طمعًا في هداية والدي، وجاءت الفرصة المنتظرة ومرض الوالد مرضًا عضالاً، وأصبح طريح الفراش في المستشفى حتى إنه لا يستطيع الذهاب إلى مكان قضاء الحاجة إذا أراد ذلك، وكنت أنا بجواره ليلاً ونهارًا، فقلت في نفسي: هذه فرصة لا تقدر بثمن، وفي تلك الحال كان – رحمة الله عليه – يتفنن في مطالبه يختبرني هل أطيعه أم لا؟ ومن ذلك أنه في جوف الليل كان يأمرني بأن أحضر له نوعًا من أنواع الفاكهة لا توجد في ذلك الوقت، فأذهب وأبحث في كل مكان حتى أجدها في تلك الساعة المتأخرة ثم أقدمها له فلا يأكلها، فإذا أراد أن يقضي حاجته لا يستطيع القيام فأضع يدي تحت مقعدته حتى يقضي حاجته في يدي ويتبول في يدي وأظل واضعًا يدي حتى ينتهي من قضاء الحاجة، وهو يتعجب من هذا السلوك، ثم أذهب إلى دورة المياه وأنظف يدي مما أصابها، وقد تكررت هذه الحادثة في كل عشر دقائق مرة نظرًا لشدة المرض، حتى إنني في النهاية لم أتمكن من وضع يدي كلما تبرز أو تبول لكثرة ذلك، فلما رأى والدي هذا التصرف يتكرر مني أكثر من مرة أخذ يبكي، فكان هذا البكاء فاتحة خير وإيمان في قلبه .. ثم قال لي: إنني ما عرفت قيمتك إلا في هذه اللحظة. ثم سألني: هل جميع هؤلاء الشباب المتدينين مثلك؟ قلت له: بل أحسن مني، ولكنك لم تعرفهم .. وكانوا يزورونه ويسلمون عليه. فبدأ يصلي ويصوم ويحب الدين ويذكر الله، ولا يفتر لسانه عن ذكر الله وقول «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وأسبغ الله عليه هذا الدين، فقلت: سبحان الله .. حقًا إن الدين هو المعاملة ([33]).


الأسباب الجالبة للبر
قطعًا, الكل ينشد أن يكون أبناؤه بارين به؛ لتقر عينه ويفرح ببرهما في حياته، ولا شك أن هناك أسبابًا أحسبها ضرورية لجلب البر، منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- العناية باختيار الزوجة الصالحة:
فالزوجة هي أم الأولاد وسينشؤون على أخلاقها وطباعها، ثم إن لها تأثيرًا على الزوج. قال أكثم بن صيفي لولده: «يا بني لا يحملنكم جمال النساء عن صارحة النسب فإن المناكحة الكريمة مدرجة للشرف»([34]).
وقال أبو الأسود الدؤلي لبنيه: «قد أحسنت إليكم صغارًا وكبارًا، وقبل أن تولدوا, قالوا: وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد؟ قال: اخترت لكم من الأمهات من لا تسبون بها»([35]).
2- الطلب عند الدعاء بأولاد صالحين:
فهذا خليل الرحمن إبراهيم – عليه السلام – يطلب في دعائه: }رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ{ [الصافات: 100] يريد الولد. قال الشيخ ابن عاشور في هذا الصدد: «وصفه بأنه من الصالحين لأن نعمة الولد تكمل إذا كان صالحًا، فإن صلاح الأبناء قرة عين للآباء ومن صلاحهم برهم لوالديهم, ولعل من المناسب في هذا المقام التنبيه إلى أن بعض الناس لا يلقون بالاً عند طلبهم الأولاد من الله تعالى لكونهم صالحين بل يكتفون في دعائهم بأن يرزقوا أولادًا، كما أن بعضهم لا يدركون أهمية سلاح الدعاء لصلاح الأبناء، ولا يلجؤون إليه إلا إذا ابتلوا بفسادهم، ولكن خليل الرحمن – عليه السلام – على عكس هؤلاء وأولئك، فقرن دعاءه من ربه للأولاد بأن يكونوا صالحين وذلك قبل وجودهم»([36]).
4- غرس القيم الإسلامية في نفوسهم:
ومن أهمها غرس محبة الله تعالى في نفوسهم وغرس بُغض مخالفته في قلوبهم، فينشأ الشاب على التعلق بالدين وحب الصلاة، والتعلق بالمساجد وقراءة القرآن، وحب النبي r ومحبة أصحابه – رضي الله عنهم -، والإعجاب بالأبطال من الصحابة والتابعين وقادة الفتوحات الإسلامية. وكراهية الكفر وأهله، والابتعاد عن سفاسف الأمور؛ لينشأ جيل يحمل همّ الدين، لا نريد جيلاً متنور الذهن مظلم الروح أجوف القلب … ضعيف اليقين … قليل الدين، قليل الصبر والجلد، ضعيف الإرادة والخلق، يبيع دينه بدنياه، وآجله بعاجله، ويبيع أمته وبلاده بمنافعه الشخصية، ضعيف الثقة بنفسه وأمته: }وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ{ [المنافقون: 4]، هؤلاء هم الذين نشروا بين المسلمين الجبن والوهن ([37]).
5- القدوة الصالحة:
وتتمثل القدوة في الوالدين بحيث يكون الأب والأم قدوة صالحة للأبناء، سواء في امتثال أوامر الله سبحانه، أو في اجتناب ما نهى عنه، ثم البر بالوالدين إذا كانا على قيد الحياة، فهم ينظرون للوالدين على أنهما قدوة سواء في الخير أو الشر، فاحرص أن تكون قدوة في الخير، من ذلك أن يقوم الوالدان مثلاً بالصلاة أمام الأولاد حيث يتعلم الأولاد الصلاة عمليًا، ومن ذلك كظم الغيظ، وحسن استقبال الضيوف، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، ولا يليق بالوالدين أن يأمرا الأولاد بأمر ثم يعملا بخلافه ، فالتناقض يفقد النصائح أثرها ([38]).
6- إعطاء الأبناء حقوقهم!!
إذا أردنا أن نطالب الأبناء بحقوق الآباء ، وهذا أمرٌ أمر به المولى سبحانه وتعالى ووردت النصوص في الكتاب والسنة وقد مرت معنا في أكثر من موضع فلا بد من أمور تتعلق بحقوق الأبناء منها:
أ- اختيار الأم ذات الدين، فقبل زراعة البذر لا بد من اختيار التربة الصالحة للزرع، لننعم بإذن الله بأبناء صالحين لا بد من اختيار أم المستقبل قال r لجابر رضي الله عنه: «يا جابر تزوجت؟» قال جابر: قلت: نعم. قال: «بكر أم ثيب». قلت: ثيب. قال :«فهلاَّ بكرًا تلاعبها» قلت: يا رسول الله: إن لي أخوات فخشيت أن تدخل بيني وبينهن. قال: «فذاك إذن. إن المرأة تُنكح على دينها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدين تربت يداك» رواه مسلم.
ب- أن يختار له اسمًا حسنًا، وأن يعق له.
ج- العطف والإشفاق.
د- الاهتمام بالتربية الروحية.
هـ- تعليمهم السباحة، الرماية، وركوب الخيل، وتعويدهم على ذلك.


من ثمرات البر
1- رضا الله سبحانه وتعالى ودخول الجنة هو غاية وأمنية كل مسلم على وجه هذه الأرض. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله r يقول: «رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة»([39]).
فهما بابان من أبواب الجنة لمن وفقه الله لبرهما والإحسان إليهما. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أن رسول الله r قال: «رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما»([40]).
2- البر دين تجده في أبنائك: فالبر سلف وكما تدين تدان، فكما تكون بارًا بوالديك يكون أبناؤك بارين بك عندما تحتاج لبرهم ورعايتهم لك وتصبح في حال الضعف. وهذا مُشاهد وملموس في الماضي والحاضر }وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا{ [الكهف: 49] ففي برهم شعور بالسعادة والغبطة والرضا وطمأنينة القلب، وراحة من ناحية الأبناء حيث يكون هناك شعور برد الجميل. قال تعالى: }هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ{ [الرحمن: 60].
3- تفريج الكرب وقبول الدعاء، والدليل على ذلك قصة أهل الغار الذين آواهم المبيت في غار، فتدحرجت صخرة على فم الغار فسدت عليهم المخرج، فدعوا الله تعالى وتقربوا إليه بأعمالهم الصالحة، وكان أحد الثلاثة رجلاً بارًا بوالديه فقال في دعائه: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً؛ فنأى بي طلب الشجر (أي البحث عن المرعى لدوابه) فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أسقي الصبية قبلهما، فلم يزل ذلك دأبي حتى طلع الفجر، ففرج الله لهم فرجة فرأوا السماء ([41]). وقصة أويس القرني التي مرت معنا ، وكيف أخبر النبي r بأنه مُستجاب الدعوة.
4- السعة في الرزق والبركة في العمر.
وبر الوالدين طاعة لله تعالى، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أجله فليصل رحمه»([42]). قال ابن كثير في تفسيره: لما ذكر تعالى بر الوالدين عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام ([43]). كما في قوله تعالى: }وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا{ [الإسراء: 26] جاءت بعد قوله تعالى: }وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا{ [الإسراء: 23].
فالسعادة هي أثر بر الوالدين وصلة الرحم، وهي سبب تيسير أموره وسعة رزقه وطول عمره وراحة باله وانشراح صدره واحترامه وإكرامه من أقاربه وأهله، وكفى بها سعادة يطلبها العقلاء. قال r: «من شاء أن يُنسأ له (أي يُؤخر) في أجله، ويوسع له في رزقه؛ فليصل رحمه» وهذه السعادة أثر من آثار بر الوالدين وصلة الأرحام ([44]).


المبحث الثاني: العقوق
تعريف العقوق:
أعق: جاء بالعقوق (وأحوب جاء بالحوب). ويقال: عاقق فلانًا أعقه إعقاقًا إذا خالفه.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حكم المال الحرام في الإسلام

كتبها bab altoba ، في 9 ديسمبر 2011 الساعة: 13:35 م

 

التحذير من أكل المال الحرام
يحيى بن موسى الزهراني

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ذي الجبروت والملكوت ، أحمد سبحانه وهو حي لا يموت ، الحمد لله رب الأرض والسموات ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اختاره ربه لتبليغ رسالته ، وهداية الناس أجمعين ، عليه من ربه أفضل صلاة وأعظم تسليم ، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين ، وصحابته الغر الميامين ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة . . . وبعد :
جاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) ، وَقَالَ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، يَا رَبِّ ، يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ " [ أخرجه مسلم في صحيحه ] ، يشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطورة أكل المال الحرام ، بأي طريقة كانت ، وأي وسيلة حصلت ، فالمال الحرام سبب لمنع إجابة الدعاء ، وإغلاق باب السماء ، فالمال الحرام طريق مستعر ، محفوف بالخطر ، وسلم هار ، ينهار بصاحبه إلى النار ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ ، أي : من حرام " [ أخرجه الترمذي وغيره ] ، وأخرج البخاري وأحمد من حديث خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ ـ يتصرفون ـ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ، فاحذروا أيها الناس من أكل المال الحرام ، فهو مستنقع قذر ، ووحل ضرر ، سبيل إلى الهلاك ، ومركب إلى الهاوية ، فاحذروا المال الحرام بكل صوره وأنماطه ، وشتى أنواعه وأشكاله ، فهو خبيث والله تعالى لا يحب الخبيث ، قال تعالى : " قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب " .
كم للمال الحرام من صور مغلفة يزينها الشيطان ، يخيل بها على ضعاف النفوس من الناس ، فمن صور المال الحرام ، وأعظمها خطورة على الأفراد والمجتمعات ، والدول والشعوب :
1= تعاطي الربا ، فالربا ممحوق البركة ، منزوع الخير ، قال تعالى : " يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ " ، الربا من أشد الرزايا على المجتمعات ، سواءً كان مع الأفراد أو البنوك أو المؤسسات ، فالربا رباً وإن اختلفت أسماؤه وهيئاته وطرق التعامل به ، قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " ، وقال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " ، فالربا حرام بكل أشكاله ، وجميع تعاملاته ، قليله وكثيره سواء ، قَاْلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا " ، ولقد جاء التحذير من خطورة الربا أو التعامل به في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : " لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُؤْكِلَهُ ، وَكَاتِبَهُ ، وَشَاهِدَيْهِ ، وَقَالَ : هُمْ سَوَاءٌ " [ أخرجه مسلم ] ، ثم اعلموا أيها الناس أن الربا لم يُحل في شريعة قط ، ولم تصدر فتوىً بجوازه إلا كان صاحبها محارباً لله ولرسوله ، ضيقة أفقه ، متعسرة مداركه ، متبعاً لهواه ، ممزقاً إيمانه ، يرضي الناس بسخط الله ، قال صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به " ، الربا حرام وكبيرة من كبائر الذنوب ، وجريمة من أعظم الجرائم ، مهلك للأموال ، قاتل للنفوس ، يهلك الحرث والنسل ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ ، فِيهَا الْحَيَّاتُ تُرَى مِنْ خَارِجِ بُطُونِهِمْ ، فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرَائِيلُ ؟ قَالَ " هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا " [ أخرجه ابن ماجة ] ، وقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الرِّبَا سَبْعُونَ بابًا ، أَيْسَرُهَا أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ " [ أخرجه ابن ماجة ] ، وقال صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ ، فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ " [ أخرجه أحمد وغيره ] ، وقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي ، رَجُلًا يَسْبَحُ فِي نَهَرٍ دم ، وَيُلْقَمُ الْحِجَارَةَ ، فَسَأَلْتُ مَا هَذَا ؟ فَقِيلَ لِي : " آكِلُ الرِّبَا " [ متفق عليه ] ، فالله الله أيها المسلمون احذروا الربا في تعاملاتكم ، وفي أعمالكم ، فهو حرب على الله تعالى ، وأنى لعبد أن يحارب خالقه ورازقه وموجده .
2= ومن صور المال الحرام ، الحلف بالله زوراً لتضييع الحقوق ، وهضم الأموال ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ " ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ، قَالَ : " وَإِنْ كان قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ " [ أخرجه مسلم والنسائي واللفظ له ] ، فانظروا أيها الناس كيف أن أخذ عود السواك ظلماً وحراماً ، كان سبباً من أسباب دخول النار والعياذ بالله ، فكيف بمن يسرق أكبر من السواك ، لجرمه أعظم ، وعقابه أكبر ، ومن الناس اليوم من لا يخاف الله تعالى ولا يتقه ، ولا يخشاه ولا يراقبه ، فتراه مقسماً بالله ، حالفاً به زوراً وظلماً ، عمداً وعدواناً ، ليأكل حفنة من المال الحرام ، أو ربما كان قسمه سبباً لإزهاق حق ، أو إظهار باطل ، وكم هي المشاهد والمآسي المؤلمة التي نراها ونسمعها عمن حلف بالله كذباً وزوراً إرضاءً لنفس ، أو نكايةً بأخرى ، فكانت العاقبة موتاً مفاجئاً ، وحادثاً مروعاً ، عذاباً فوق العذاب ، ليذوق وبال أمره ، قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً * ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيراً " ، وقال صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ، ثُمَّ قَرَأَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ " إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولهم عذاب أليم " [ أخرجه البخاري ومسلم ] ، ولقد جاءت تسمية تلكم اليمين الفاجرة الظالمة باليمين الغموس ، التي تغمس صاحبها في الإثم ثم تغمسه في نار جهنم والعياذ بالله ، عقد البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باباً وسمه ببَاب الْيَمِينِ الْغَمُوسِ ثم ذكر قول الله جل وعلا : " وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " دَخَلًا مَكْرًا وَخِيَانَةً ، وعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْكَبَائِرُ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ " [ أخرجه البخاري ] ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ ، إِلَّا طَوَّقَهُ اللَّهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " [ أخرجه مسلم ] ، وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَإِنْ قَضَيْتُ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا " [ أخرجه الترمذي وقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ] .
3= ومن صور المال الحرام أخذ الرشوة ، ولقد لُعن أهلها والمتعاملين بها ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي " [ أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد ] ، وكم من الموظفين اليوم من لا يخاف الله ولا يخشاه ، فتراه آكلاً للمال الحرام ، متعاط للرشوة ، ولقد علم سلف هذه الأمة خطورة الرشوة ، وشديد أمرها ، وأنها سبب لزعزعة الأمن ، ومجلبة للضعف والخور ، وهلاك ودمار ، فتركوا طريقها ، وابتعدوا عن سبيلها ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى خَيْبَرَ ، فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ قَالَ : فَجَمَعُوا لَهُ حَلْيًا مِنْ حَلْيِ نِسَائِهِمْ ، فَقَالُوا لَهُ : هَذَا لَكَ وَخَفِّفْ عَنَّا وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ! وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ ، وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ ، فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنَ الرَّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ ، وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا ، فَقَالُوا : بِهَذَا قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ " [ أخرجه مالك ] ، ألا فاعلموا أيها المسلمون أن من أشد أنواع الرشوة خطورة ، وأعظمها نكاية بالأمة ، الرشوة لإبطال حق ، أو إحقاق باطل ، وكذا الرشوة للحاكم والقاضي ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : " لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ " [ أخرجه الترمذي وقال حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ] ، وقال مَسْرُوقٍ رحمه الله : إِذَا أَكَلَ الْقَاضِي الْهَدِيَّةَ فَقَدْ أَكَلَ السُّحْتَ ، وَإِذَا قَبِلَ الرِّشْوَةَ بَلَغَتْ بِهِ الْكُفْرَ " [ أخرجه النسائي ] ، فالرشوة فساد للمجتمعات ، تدمير للحقوق ، أذانٌ بالهلاك من الله جل وعلا ، عَنْ عَمْرِو ابْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرِّبَا ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ ـ القحط والجدب ـ وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرُّشَا ـ الرشوة ـ إِلَّا أُخِذُوا بِالرُّعْبِ " [ أخرجه أحمد ] ، وهاهي الأمة اليوم تعاني تبعات أكل المال الحرام ، من حروب مدمرة ، وويلات مهلكة ، وقحط وجدب ، فقد أمسكت السماء ماءها ، ومنعت الأرض خيراتها ، ولفحت الشمس بحرارتها ، واشتدت الطقوس ببرودتها ، فاتقوا الله عباد الله ، واحذروا أسباب سخطه ، وموارد عقوبته .
4= كم تعاني الأمة اليوم من ويلات الحرب المسعورة ضد الإسلام وأهله ، والزج بهم لأكل المال الحرام ، فمن صور المال الحرام التسول وسؤال الناس بلا حاجة أو ضرورة ، فالتسول سبب لمحق بركة المال ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ ، فَوَاللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا ، فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ " [ أخرجه مسلم ] ، التسول تعتيم لصورة الإسلام المضيئة ، وتشويه لحقيقته الوضاءة ، فكم سعى الأعداء للنيل من الإسلام بشتى الطرق والوسائل ، ومنها تغيير منهج المساجد وملؤها بأولئك المتسولين والمتسولات ، حتى تفاقم الوضع وانتشر ، وزاد المكر والخطر ، ينهبون الناس بكلمات رقيقة جذابة ، صنعها لهم صُناع الكلمة من العصابات ، والمؤسسات المنحرفة ، قال صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ " [ أخرجه مسلم ] ، وكم من الناس اليوم من يعاني الفقر ، ويصارع الجوع ، ويدفع الفاقة ، ومع ذلك تراه عفيف النفس ، شامخ الأخلاق ، فلا يمد يديه إلا لله ، ولا يُنزل حاجته إلا بالله ، ومع فقره وشدة حاجته فهو كما قال الله تعالى : " يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً " ، وهناك من الناس من يسأل عباد الله ، ويترك من بيده خزائن السموات والأرض ، لا حاجة ولا فاقة ، وإنما إكثاراً من الأموال وتكسباً ، فأصبح التسول هو وظيفته ، ومصدر رزقه ، وقد قال صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

للتذكيرفقط صوموا عاشوراء

كتبها bab altoba ، في 2 ديسمبر 2011 الساعة: 01:20 ص

 

عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ سَنَةٍ مَاضِيَةٍ وَسَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ وَصَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ مَاضِيَةٍ". وعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لا تنسوا صوم عاشوراء

كتبها bab altoba ، في 2 ديسمبر 2011 الساعة: 01:09 ص

الأحاديث الواردة في صيام عاشوراء
والمراحل التي مر بها
 
د. بندر بن نافع العبدلي


الحمد لله رب العالمين ، وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا محمد خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فإن يوم عاشوراء يوم عظيم، له فضيلة عظيمة ، وحرمة قديمة، وصومه كان معروفاً بين الأنبياء والمرسلين ، وعباد اللَّه الصالحين.
وإني في هذا البحث المختصر أذكر أشهر الأحاديث الواردة في فضل صومه والمراحل التي مر بها في مشروعيته:

ما ورد في فضل صيامه:
1- عن عبد اللَّه بن أبي يزيد أنه سمع ابن عباس رضي اللَّه عنهما وسئل عن صيام يوم عاشوراء؟ فقال: " ما علمت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صام يوماً يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهراً إلا هذا الشهر - يعني رمضان -" .
وفي لفظ: " ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم: يوم عاشوراء..".
أخرجه البخاري (4/245) (ح2006) ، ومسلم (1132) ، والنسائي (4/204) (ح2370)، وأحمد (1/367) ، وابن خزيمة (2086)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (3779)، وفي "السنن الكبرى" (4/286)، والطبراني (1254).

2- وعن أبي قتادة رضي اللَّه عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " صيام يوم عاشوراء، أحتسب على اللَّه أن يكفر السنة التي قبله" .
أخرجه مسلم (1162)، وأبو داود (2/321) (ح2425)، والترمذي (2/115) (ح749) ، وابن ماجة (1/553) (ح1738) ، وأحمد (5/308)، والبيهقي (4/286).

تعليق:
في هذين الحديثين دليل على فضل صوم يوم عاشوراء، وأنه يكفر السنة التي قبله. والمشهور عند أهل العلم أنه إنما يكفر الصغائر فقط، أما الكبائر فلابد لها من توبة.
قال النووي رحمه الله: " يكفر كل الذنوب الصغائر، وتقديره يغفر ذنوبه كلها إلا الكبائر .
ثم قال: صوم يوم عرفة كفارة سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.. كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفّره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات، ورفعت له به درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر، ولم يصادف صغائر رجونا أن تخفف من الكبائر" اهـ. المجموع (6/382).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وتكفير الطهارة، والصلاة وصيام رمضان، وعرفة، وعاشوراء للصغائر فقط" . الفتاوى الكبرى (4/428).
قلت: ويدل لذلك ما ثبت في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر" .

* ما ورد في الأمر بصيامه:
3- وعن عبد اللَّه بن عباس رضي اللَّه عنهما قال: " قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، نجّى اللَّه فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه، فقال: أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه" .
وفي رواية: " فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه" .
وفي رواية أخرى: " فنحن نصومه تعظيماً له" .
أخرجه البخاري (4/244) ح(2004) ، ومسلم (1130)، وأبو داود (2/426) (ح2444) ، وابن ماجه (1/552) ح(1734) ، والبيهقي (4/286).
وأخرجه أحمد (2/359) من حديث أبي هريرة وزاد: "وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي" وإسناده ضعيف، في إسناده عبدالصمد بن حبيب وهو ضعيف، وحبيب بن عبدالله وهو مجهول .
قال ابن كثير في تفسيره (2/448) - بعد أن أورده من هذا الوجه - : "وهذا حديث غريب من هذا الوجه" .

4- وعن الرُّبيع بنت معوِّذ رضي اللَّه عنها قالت: "أرسل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة : من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن كان مفطراً فليتم بقية يومه، فكنّا بعد ذلك نصومه، ونصوِّمه صبياننا الصغار، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم أعطيناها إياه، حتى يكون الإفطار" .
وفي رواية: " فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم، حتى يتموا صومهم".
أخرجه البخاري (4/200) (ح1960) ، ومسلم (1136) ، وأحمد (6/359) ، وابن حبان (8/385) (ح3620) ، والطبراني (24/275) (ح700) ، والبيهقي (4/288).

5- وعن سلمة بن الأكوع رضي اللَّه عنه ، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً من أسلم: "أن أذِّن في الناس: من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم عاشوراء" .
أخرجه البخاري (4/245) (ح2007) ، ومسلم (1135) ، والنسائي (4/192) ، والدارمي (2/22) ، وابن خزيمة (2092) ، وابن حبان (8/384) (ح3619) ، والبيهقي (4/288) ، والبغوي في "شرح السنة" (1784).

6- وعن أبي موسى الأشعري رضي اللَّه عنه قال: "كان يوم عاشوراء يوماً تعظّمه اليهود، وتتخذه عيداً، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : "صوموه أنتم" .
وفي رواية لمسلم: " كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء، يتخذونه عيداً، ويلبسون نساءهم فيه حليهم وشارتهم، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : فصوموه أنتم".
أخرجه البخاري (4/244) (ح2005) ، ومسلم (1131).
قال النووي: " الشارة بالشين المعجمة بلا همز، وهي الهيئة الحسنة والجمال، أي يلبسونهم لباسهم الحسن الجميل" . شرح مسلم (8/10).
وقال ابن الأثير: " الشارة: الرواءُ والمنظر الحسن والزينة". جامع الأصول (6/308).

7- وعن محمد بن صيفي رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء: " أمنكم أحد أكل اليوم، فقالوا: منا من صام، ومنا من لم يصم، قال: فأتموا بقية يومكم، وابعثوا إلى أهل العَروض فليتموا بقية يومهم".
أخرجه النسائي (4/192)، وابن ماجه (1/552) ، (ح1735)، وأحمد (4/388)، وابن خزيمة (2091) ، وابن حبان (8/382) (ح3617) .
قال البوصيري في "مصباح الزجاجة " (2/30) : "إسناده صحيح" .
قلت: وهو كما قال.

- التخيير بين صيامه وإفطاره بعد فرض صيام شهر رمضان:
8- عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: " كان عاشوراء يصام قبل رمضان، فلما نزل رمضان كان من شاء صام، ومن شاء أفطر".
وفي رواية : " كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه" .
أخرجه البخاري (4/244) (ح2001) ، (2002) ، ومسلم (1125) ، وأبو داود (2/326) (ح2442)، والترمذي (2/118) (ح753) ، ومالك في "الموطأ" (1/299) ، وأحمد (6/29، 50، 162) ، وابن خزيمة (2080).

9- وعن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه عنهما قال: "كان عاشوراء يصومه أهل الجاهلية، فلما نزل رمضان قال: من شاء صامه، ومن شاء لم يصمه" .
وفي رواية : وكان عبد اللَّه لا يصومه إلا أن يوافق صومه.
وفي رواية لمسلم: " إن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صامه، والمسلمون قبل أن يفرض رمضان، فلما افترض، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : " إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه" .
وفي رواية له أيضاً : " فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه، ومن كره فليدعه" .
أخرجه البخاري (4/102، 244) (ح1892) ، (2000) ، و(8/177) (ح4501)، ومسلم (1126) ، وأبو داود (2/326) (ح2443) ، وابن ماجه (1/553) (ح1737) ، والدارمي (1/448) (ح1711) ، وابن حبان (8/386) ، (ح3622) ، (3623) ، والبيهقي (4/290).

10- وعن عائشة رضي اللَّه عنها: " أن قريشاً كانت تصوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول اللَّه  بصيامه، حتى فرض رمضان، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : من شاء فليصمه، ومن شاء فليفطره" .
وفي رواية للبخاري: " كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، وكان يوماً تستر فيه الكعبة.." .
أخرجه البخاري (4/102) (ح1893) ، و(4/244) (ح2002) ، و(3/454) (ح1592)، ومسلم (1125) ، وأبو داود (2/326) (ح2442)، والترمذي (2/118)، (ح753) ، والدارمي (1/449) (ح1712) ، ومالك في "الموطأ" (1/229) ، وأحمد (6/162، 244) ، وابن حبان (8/385) (ح3621) ، والبيهقي (4/288) ، والبغوي في "شرح السنة" (1702).

11- وعن حميد بن عبدالرحمن أنه سمع معاوية رضي اللَّه عنه يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: " هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب اللَّه عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر" .
أخرجه البخاري (4/244) (ح2003) ، ومسلم (1129) ، والنسائي (4/204) ، ومالك في "الموطأ" (1/299) ، وابن خزيمة (2085) ، وابن حبان (8/390) ، (ح3626) ، والطبراني (19/326) (ح744) ، والبيهقي (4/290)، والبغوي في "شرح السنة" (1785).

12- وعن علقمة بن قيس النخعي، أن الأشعث بن قيس دخل على عبدالله بن مسعود، وهو يطعم يوم عاشوراء، فقال: يا أبا عبدالرحمن ، إن اليوم يوم عاشوراء، فقال: "قد كان يُصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان ترك، فإن كنت مفطراً فاطعم" .
وفي رواية لمسلم: " كان يوماً يصومه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تركه" .
أخرجه البخاري (8/178) (ح5403) ومسلم (1127).

13- وعن جابر بن سمرة رضي اللَّه عنه قال: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام يوم عاشوراء، ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا، ولم يتعاهدنا عنده" .
أخرجه مسلم (1128) ، والطيالسي (1/106) (ح784) ، وأحمد (5/96، 105) ، وابن خزيمة (208) ، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (2/74)، والطبراني (1869) ، والبيهقي (4/265).

14- وعن قيس بن سعد بن عبادة رضي اللَّه عنه قال: " أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نصوم عاشوراء قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان، لم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله" .
أخرجه النسائي في "الكبرى" (2/158) (ح2841) ، وأحمد (3/421) ، والطحاوي في "شرح معاني الآثار (2/74).
وإسناده صحيح.

- تعليق:
قال ابن رجب رحمه اللَّه في "اللطائف" ص106: "فهذه الأحاديث كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجدد أمر الناس بصيامه بعد فرض صيام شهر رمضان، بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه، فإن كان أمره صلى الله عليه وسلم بصيامه قبل فرض صيام شهر رمضان للوجوب، فإنه ينبني على أن الوجوب إذا نسخ فهل يبقى الاستحباب أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور بين العلماء، وإن كان أمره للاستحباب المؤكد فقد قيل: إنه زال التأكيد وبقي أصل الاستحباب، ولهذا قال قيس بن سعد: ونحن نفعله" .
وقال ابن حجر في الفتح (4/247): "ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجباً لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكد الأمر بذلك، ثم زياد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

آثار الذنوب والمعاصي علي الفرد والمجتمع

كتبها bab altoba ، في 2 ديسمبر 2011 الساعة: 01:06 ص

آثـار المعاصي على الفرد والمجتمـع

آثـار المعاصي على الفرد والمجتمـعالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد :إنّ هذا الموضوع يبين خطر المعاصي على العبد في هذه الحياة وما بعدها وأنها سبب لهلاكه وضلاله وبُعده عن عفو ربه وطاعته وسبب لموالاته لإبليس وأعوانه ، وبترك المعاصي والبعد عنها وفعل الصالحات والطاعات يكون الإنسان من أولياء الله وحزبه المفلحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.*ولما للمعاصي من أخطارٍ وعواقبَ جسامٍ أحببتُ أن أذكِّر نفسي وإخواني لما يجب من العبد عن الآثام كبيرها وصغيرها حتى تحصل النجاةُ من عواقبها ، قال تعالى( وكلِّ صغيرٍ وكبيرٍ مستطر ) القمر (53).يقول إبن المعتز
خلٍّ الذنوبَ صغيرها = وكبيرهــا ذاك التُّقـــىواصنـع كماشٍ فوقَ = أرضٍ الشوك يحذرُ ما يرىلاتحرقــنَّ صغيرةً = إنَّ الجبـال مـن الحصـى
* فما هو تعريف المعاصي ؟وماهي أنواعها ؟وأسباب الوقوع فيها ؟ وما هي آثار المعاصي على الفردِ والمجتمع في الدنيا؟وما هي آثارُ وعقوبات المعاصي في الآخرة؟ في القبرِ وفي يوم القيامةِ وفي النَّارِ ؟ وكيف الوقاية والعلاجُ من المعاصي ؟
تعريف المعاصي وأنواعُها وأسباب الوقوع فيها :المعاصي من العصيان وهو خلاف الطاعة ، عصى العبدُ ربَّه إذا خالف أمرهُ … اللسان(4/2981)والمعاصي شرعاً : ترك المأموراتِ وفعلُ المحظورات ، أو ترك ما أوجب اللهُ ورسولهُ وارتكابُ ما نهى الله عنه أو رسولهُ من الأقوال والأعمال الظاهرة أو الباطنة ، قال تعالى ( ومن يعصِ اللهَ ورسولَه فإنَّ له نار جهنم خالدين فيها أبداً )الجن (23) وقد جاء معنى العصيان بألفاظٍ كثيرةٍ في النصوص منها الذنبُ والخطيئة والسيئة والإثمُ والفسوقُ والفسادُ وغيرها . والمعاصي في بعض الأوقاتِ أعظم منها في وقتٍ آخر كالأشهر الحرم وغيرِها . والمعاصي في بعض الأماكن أعظمُ منها في مكانٍ آخر كالحَرَمِ مثلاً .
*والمعاصي تنقسم إلى قسمين : كبائر وصغائر :
قال تعالى ( إن تجتنبوا كبائرَ ما تنهون عنه نكفِّر عنكم سيئاتِكم) النساء (31)وقال صلى الله عليه وسلم "" الصلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعةِ ، ورمضانُ إلى رمضان مكّفِراتٌ لما بينهنَّ ما لم تُغشَ الكبائر"" مسلم(233) قال إبن القيِّم ( وقد دلَّ القرآن والسنة وإجتماعُ الصحابة والتابعين بعدهم والأمة على أنَّ الذنوب كبائر وصغائرُ) الجواب الكافي(صـ134)
*أماَّ تعريف الكبيرة :
فخلاصة كلام أهل العلم أنها كلُّ معصيةٍ دلّ الدليلُ على توكيدِ التحريم وتغليظهِ سواء توُعِّد عليها بلعنِ أو غضبٍ أو نارٍ أو عذابٍ أو حدٍّ أو غير ذلك .
*أما تعريفُ الصغيرة:فهي خلاف الكبائر مما نهى عنه الشرعُ ولم يقترن به وعيدٌ أو لعنٌ أو غير ذلك . فما خرج عن تعريفِ أو حدِّ أقل الكبائر فهي الصغائر مثل النظر إلى النساء والخروج من المسجد بعد الآذان وغيرها. والصغيرة مع الإصرار عليها تصيرُ كبيرة لأنه جاء الوعيد بالويل للمصرِّين عليها وهم يعلمون كذلك صح عن إبن عباس قوله ( لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار) ابن جرير الطبري ـ فتح الباري(12/183) وقوله صلى الله عليه وسلم "" إيّاكم ومحقَّرات الذنوب ، فإنهنَّ يجتمعنَ على الرجل حتى يُهلِكْنَهُ… "" صحيح الجامع(2687) فالصغائرُ قد تعظمُ وتصبح كبائر مع الإصرار والمداومةِ عليها أو الفرحِ بفعلها أو الإفتخار بها، أو استصغارها واحتقارها وكذلك إذا فعلها من يقتدي به.
*وأما أسباب الوقوع في المعاصي فمنها :
1- ضعف الإيمان ويدخل فيه ضعف اليقين بالله تعالى وضعف الخوف منه وضعف مراقبته وغيرها .2- الشهوات والشبهات : وهما فتنتان تنشآن من إتِّباع الهوى وتقديم الرأي على الشرع ، فتنة الشهوات التي يرغبها البشر كفتنة النساءِ والمال والأولاد وغيرها ، وفتنة الشبهات بالإتباع للهوى وقلة الفقه في الدين
قال إبن القيم ( وهذه الفتنة تنشأ تارةًّ من فهم فاسد وتارة من نقل كاذب وتارةًّ من حقٍّ ثابت خفي على الرجل فلم يظفر به وتارةً من غرضٍ فاسد وهوى متَّبع ، فهي من عمى في البصيرةِ وفسادٍ في الإرادةِ) إغاثة اللهفان(2/166)3- الشيطان الذي يبغِّضُ إلى الناس كلِّ الطاعات والعبادات ، ويحبِّبُ إليهم كلَّ المعاصي ، كما في الحديث"" إنَّ الشيطان يحضر أحدكم عند كلِّ شيءٍ من شأنه …"" مسلم(2033)
*وأما الوقاية والعلاجُ من المعاصي :فبالأمور التالية :1- تقوى الله تعالى : وهي فعل الطاعات والصالحات واجتناب المحرمات والذنوب ، وإنَّ من تقوى الله أن يصحح المسلم معتقده وأن يعبد الله على بصيرةٍ وإخلاصٍ وسُنّةٍ . 2- أداء الفرائض والإكثار من النوافل : قال تعالى في الحديث القدسي (وما تقرَّب إلىَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه …) البخاري ـ فتح(11/340)3- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : والمعروف هو كلِّ ما أمر به الشرعُ أو أقرَّه ، والمنكر هو كلُّ ما نهى عنه الشرعُ أو خالفه ، والقيام بهذا الواجب يقلِّل المعاصي والمنكرات في المجتمع .4- اتِّخاذ القدوة الصالحة والرفقة الطيِّبة والصاحب الصالح فإنهم يعينون على الخير . 5- التوبة من الذنوب والمعاصي : والتوبة هي الندمُ على فعلِ المعصية ، والإقلاع عنها ، والعزم على أن لا يعودَ إليها ، وإذا تعلَّقت بحق آدمي فيجب التحللُ منه ، والتوبة فضائلها كثيرةٌ منها فرحُ الله تعالى بتوبة عبدة وكذلك تبديل السيئات حسنات وكذلك تَدخُل الجنَّة ، وغير ذلك من الفضائل. أثر المعاصي في الدنيا والآخرة :
إنَّ للمعاصي آثاراً كثيرةً على مرتكبها أو على أسرتهِ ومجتمعهِ أو أمَّتهِ أو على الأرض والسماء والبحرِ والدوابِّ والطير وغيرها، قال تعالى : ( ظهر الفسادُ في البرِّ والبحر بما كسبت أيدي الناس) الروم (41) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "" … العبدُ الفاجرُ يستريح منه العبادُ والبلادُ والشَّجرُ والدوابَّ "" متفق عليه – فتح(11/362)مسلم (950)*وللحديثِ عن آثار المعاصي لابد من تقسيمها إلى ثلاثةِ أقسامٍ :أ-آثار المعاصي على الفرد في الدنيا . ب-آثار المعاصي على المجتمع.ج-آثار المعاصي على العبد في الآخرة(في قبره ويوم القيامة وفي النار)
القسم الأول :
آثار المعاصي على الفرد في الدنيا : وهذه بعضها :
1- أنها تفسدُ القلبَ : فيضعف فيه تعظيم الربِّ عزّ وجلَّ فلا يخاف من الله تعالى ولا يراقبه، قال إبن القيم( إنَّ عظمة الله تعالى في قلب العبد تقتضي تعظيم حرماتهِ التي تحول بينه وبين الذنوب) الجواب الكافي(صـ74)وكذلك فإن الذنوب تُذهب حياة القلب وغيرته وفي الحديث "" … إذا لم تستحي فاصنع ما شئت"" خ(3484)فتح(6/515) وكذلك فإن المعاصي تنكِّسُ القلب و وتزيغه فيصبح القبيحُ لديه حسناً، والحسن قبيحاً،والمعروف منكراً والمنكر معروفاً،حتى يصدق فيه قوله تعالى( وطبع اللهُ على قلوبهم فهم لا يعلمون )التوبة(93)كما أن الذنوب والمعاصي تورث الوحشة في قلب العاصي وضيق الصدر فيشعر بهذه الوحشة من في قلبه حياة وإيمان،وحشة بين العاصي وخالقة وبينه وبين الناس بل بينه وبين نفسه،أمَّا من مات قلبه فإنه قد لا يحس بها.وكذلك فإن المعاصي توهن القلب وتظلمه فيشعر في قرارة نفسه بظلام بعكس الطائع قال إبن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب = وقد يورث الذل إدمانهاوترك الذنوب حياة القلـوب = وخير لنفسك عصيانهـا2-ومن آثار المعاصي على الفرد في الدنيا:العقوبات الشرعية وهي الحدود والكفّارات والتعزيزات:والحدود مثل حد الزنا وحد الخمر وحد القذف. وأما الكفارات فمنها كفارة المُجامع زوجته في نهار رمضان وكذلك كفارة الظهار. وأما التعزيرات فهي السجن والإهانة والجلد والضرب والقتل أحيانا.3-العقوبات القدرية:وهي ما يصيب الإنسان في دينه أودنياه أو كليهما من الفتن والمحن والابتلاء بسائر المصائب على إختلاف أشكالها بسبب المعاصي قال تعالى( ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ) السجدة(21) قال المفسرون ( يعني العذاب الأدنى مصائب الدنيا وأقسامها وآفاتها…) إبن كثير(3/462) وهذه العقوبات للمسلم إما لرفع الدرجات أو لتكفير السيئات أو عقوبات على ظلمه ، وقال تعالى( ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) الشورى (30 ) 4- ومن آثار المعاصي على الفرد في الدنيا : قال إبن عباس( … إن للسيئة سوادا في الوجه وظلمة في القلب،ووهنا في البدن، ونقصانا في الرزق ، وبعضا في قلوب الخلق )
القسم الثاني :
آثار المعاصي على المجتمع :
كم أهلكت الذنوب من أمم ماضية وشعوب كانت قائمة فهل ترى لهم من باقية . قال تعالى ( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا) الإسراء ( 17 )فأين قوم نوح وأين قوم ثمود وقوم عاد وقوم لوط ، وهكذا باقي الأمم السابقة ، قال تعالى ( فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا بهم الأرض ومنهم من أغرقنا … ) العنكبوت ( 40 )*وللذنوب والمعاصي عقوبات على المجتمعات منها :1- أنها تزيل النعم بمختلف أنواعها ، وتحل النقم و المحن والفتن مكانها :* ومن هذه النعم نعمة الإيمان : فلا يزال المجتمع يفعل الآثام والذنوب حتى يضعف الإيمان وتتغير القلوب فتتغير الأعمال ويلتحق المجتمع بركب الفجار .* ومن النعم التي تزول بالمعاصي أو تنقص نعمة المال والرزق ، قال تعالى ( وضرب الله مثلا قرية آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) النحل (112) وما أحسن قول القائل : إذا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

فوائد الوضوء

كتبها bab altoba ، في 2 ديسمبر 2011 الساعة: 01:00 ص

فوائد الوضوء والطهارة الصحية

المصدر : موقع خيمة

أهمية الطهارة
الاستنـجاء
الاغتسال
الـوضـوء

قال تعالى: [ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا] (المائدة 6).
كما قال في سورة التوبة: [ فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين] (التوبة 108)
وقال سبحانه وتعالى: [ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ] (البقرة 222)
ويقول جل وعلا [ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به] (الأنفال 11)
كما قال في أول سورة المدثر: [ يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر]
وهكذا تكرر في القرآن الكريم تأكيد الخالق الحكيم سبحانه وتعالى على قيمة الطهارة بين عباده ،وجعلها واجبة على كل المسلمين في الوضوء لخمس صلوات في اليوم هي الفرائض، هذا غير النوافل، كما أنه جل وعلا افترض الغسل الشرعي لتطهير الجسد في مناسبات عدة للرجال والنساء، ويكفي بيانا لأهمية الطهارة في الإسلام أن أولى خطوات الدخول إلى الإسلام أن يغتسل المرء ثم يتلفظ بعد الغسل بالشهادتين.
وقد روي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الطهور شطر الإيمان ". وروي الطبراني أنه صلى الله عليه وسلم قال: " طهروا هذه الأجساد طهركم
الله ". ولم يكتف الإسلام بالاهتمام بالطهارة للإنسان نفسه فقط بل اهتم بطهارة المجتمع بشكل عام. وكمثال على هذا ما رواه الطبراني عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى أن يبال في الماء الجاري". وعلى هذا فإن التبول في الماء الراكد أشد نهيا وتحريما، وقد تبين أن كثيرا من الأوبئة مثل الكوليرا والتيفود وشلل الأطفال والتهاب الكبد المعدي تنتقل عن طريق الماء وتعيش فيه، فكان النهي هنا واجبا لصحة الناس ومنع العدوى من تلك الأمراض،
ولأهمية الطهارة في الإسلام سر لطيف، يعيننا على إدراك قدرها، والسر في هذا هو أن هذا الدين يعلي من قدر أتباعه حين يقولون سمعنا وأطعنا، فيصيبهم من خير الأعمـال الصالحة التي يتقربون بها إلى الله، والمسلم حين يتطهر إرضاء لله فإن الله يتم نعمته عليه فيسمو بنفسه وروحه، ويأخذه إلى آفاق من الطهر والنور، ويشبع أشواقه إلى السكينة والطمأنينة والهدوء النفسي بما لا تستطيع فعله كل عقاقير الأرض الكيماوية.

عن جابر رضي الله عنه في سبب نزول قول الله تعالى: [ فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم ؟ قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء، فقال: ذاكم فعليكموه "

الاستنـجاء
لقد فطر الله جل وعلا الإنسان وجبله على أن يتخلص أولا بأول مما في أمعائه وفي مثانته من غائط وبول وغيرهما من نفايات الجسم، حتى يظل الجسم الإنساني في حالة من النقاء والصحة والقدرة على أداء الوظائف الطبيعية والحيوية التي يقوم بها.
وبعد عملية التخلص تلك فإنه يجب على المسلم أن ينظف هذه الأماكن بالماء، وفي هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تنزهوا من البول فإنه عامة عذاب القبر منه" متفق عليه، ومعنى التنزه هو التطهر والاستنجاء. ولهذه العملية فائدة طبية وقائية عظيمة، فقد أثبت الطب الحديث أن النظافة الذاتية لتلك الأنحاء تقي الجهاز البولي من الالتهابات الناتجة عن تراكم الميكروبات والجراثيم ، كما أنها تقي الشرج من الاحتقـان ومن حدوث الالتهابات والدمامل، وفي حالة المرضى خصوصا مرضى السكر أو البول السكري فلأن بول المريض يحتوي على كمية كبيرة من السكر، فإذا بقيت آثار البول فإن هذا يجعل العضو عرضة للتقيح والالتهابات، وقد تنتقل الأمراض في وقت لاحق إلى الزوجة عند الجماع، وقد يؤدي إلى عقم تام.
كذلك استن الإسلام استعمال اليد اليسرى لإ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عاجل لكل مسلم مغترب ومسلمة مغتربة

كتبها bab altoba ، في 2 ديسمبر 2011 الساعة: 00:55 ص

كلمة لكل مسلم مغترب

 

أبو أنس العراقي ماجد بن خنجر البنكاني

المصدر : صيد الفوائد


بسم الله الرحمن الرحيم

 


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الدافع لكتابة هذه الكلمة رأيت أمس صورة لأخ كان من حفظة القرآن والإستقامة رأيته في إحدى الدول الأوربية يجلس في مكان عام ويحمل بيده السكارة ومظهره لا يختلف عن مظهر المشركين!!!
فلا شك أن الإقامة في بلاد الكفار فيها خطر عظيم على دين المسلم وأخلاقه ، فينبغي الحذر منه.
وتجب الهجرة على كل مسلم يقيم مع المشركين لقوله تعالى: "إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها".النساء97 ،
وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب ، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه ، والهجرة من ضرورات الواجب وتتمته ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. انظر المغني (8/457) ومجموع فتاوى ابن عثيمين (3/25–30) .
والذي يقيم هناك بين الكفار لحاجة كالدراسة مثلاً فإن الخطر أعظم ، لأن المتعلم سيشعر بحاجته إلى معلمه مما يؤدي إلى التودد إليه بل ومداهنته فيما هو عليه ، وكذلك فإن المتعلم يشعر بدنو مرتبته وعلو مرتبة مدرسه ومعلمه فيحصل تعظيمه والاقتناع بآرائه ، ثم إن المتعلم لابد وأن يكون له في مقر دراسته أصدقاء يتخذهم ، ولهذا كله كان وجوب التحفظ أكثر والحذر أشد وإلا لم تجز الإقامة عندهم .
ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم : "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين".
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ مُشْرِكٍ أَشْرَكَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ عَمَلًا حَتَّى يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ".

وسئل العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عن حكم السفر إلى بلاد الكفار ؟ وحكم السفر للسياحة؟
فأجاب رحمه الله السفر إلى بلاد الكفار لا يجوز إلا بثلاثة شروط :
الشرط الأول : أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات ويدعو لدينه. الشرط الثاني : أن يكون عنده دين يمنعه من الشهوات . الشرط الثالث : أن يكون محتاجاً إلى ذلك .
فإن لم تتم هذه الشروط فإنه لا يجوز السفر إلى بلاد الكفار ؛ لما في ذلك من الفتنة أو خوف الفتنة ، وفيه إضاعة المال ، لأن الإنسان ينفق أموالاً كثيرة في هذه الأسفار ، وفيه أيضاً تنمية لاقتصاد الكفار . أما إذا دعت الحاجة إلى ذلك لعلاج ، أو تلقي علم لا يوجد في بلده ، وكان عنده علم ودين ويدعو الناس إلى التمسك بتعاليم الإسلام على ما وصفنا فهذا لا بأس به .
أما بالنسبة لأ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ياستار العيوب

كتبها bab altoba ، في 29 نوفمبر 2011 الساعة: 23:37 م

ياستار العيوب أستر عيوبنا  ويا غفار الذنوب أغفر ذنوبنا

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي